الشيخ محمد آصف المحسني

165

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

وقال أيضا : إنه - يعني صاحب الإشراق - بعد إبطال العناية جعل النظام المشاهد في عالم الأجسام لازما عن النظام الواقع فيما بين المفارقات العقلية الطولية والعرضية وأضوائها المنعكسة عن بعضها إلى بعض ، وجعل ذلك بدلا عن العناية في سببية النظام . صرح بذلك في حكمة الإشراق . أقول : وعلى قول هذ الإشراقي يبطل فاعليته تعالى الاختيارية ، فإن المختار عند الفلاسفة هو الذي يسبق علمه فعله ، وهذا الرجل ينكر سبق علمه ، فيكون اللّه موجبا لا مختارا . هذا مع أن هذا القول ينافي ما تسالم عليه الفلاسفة من عينية علمه لذاته تعالى . وأما من حاول أن يصلح هذا القول ويدفع عنه الشناعة فما أتى بشيء غير أن افضح نفسه . نعم ذكر السبزواري في حاشيته على الأسفار وفي شرح منظومته أن هذا الإشراقي غير منكر للعلم الإجمالي ، فإنّه متّفق عليه بين الإشراقيين والمشائيين ، وإنما المنفي عنده العلم التفصيلي . لكن هذا شيء ذكره من جهة حسن ظنّه بهذا القائل ، وإلّا فهو صرح في مطارحاته بإنكار العلم الإجمالي أيضا ، كما نقله صاحب الأسفار واعترف به ، وكذا اللاهجي في شوارقه . وأما ما ذكره هذا الموجه - أي السبزواري في حاشية الاسفار - من أن مراده بالعلم الإجمالي الذي أنكره غير الإجمالي الكمالي ، بل شيء آخر فهو اعرف بتوجيهه ، بل في الأسفار في حبحث مراتب علمه تعالى : نسبة إنكار العناية إلى اتباع الإشراقيين عموما . أقول : وكأن اللّه سبحانه وتعالى طبع على قلب هذا الظلماني ، حيث ما التفت إلى أن صدور العقول الطولية والعرضية التي تدبّر نظام العالم المتقن أقوى دليل على علمه تعالى قبل صدورها . وأنت إذا علمت مقالة هذا الرجل الذي يتّبعه الفلاسفة الإشراقيون ، ومسلك ابن سينا الذي يقلّده المشاؤون فيما تقدّم وما سيأتي من صوره المخترعة ، وقول صاحب الأسفار الذي اقتدى به أرباب الفلسفة المتعالية حول بسيط الحقيقة وحول جسميته تعالى كما سننقله في المقصد الثالث إن شاء اللّه ، تعلم أن ما يقولون حول فلسفتهم من اتقان مسائلها ووصول أربابها إلى الكشف والشهود قعقعة . ثمّ إنّ مسألة تحقّق علمه أزلا ، وعدم تحقّق المعلوم خارجا وذهنا مع امتناع انفكاكهما ، قد مرّ حلها بوجه قطعي عقلي إجمالي ، ونقلي تفصيلي . والانصاف أن مسألة علمه تعالى مطلقا ذات مصاعب كثيرة ، قلّ من يمكنه الوصول إليها . و 0 ممن نسب إليه هذا القول جهم بن صفوان وأصحابه ، قالوا : إن اللّه لا يعلم الشيء قبل